الشيخ المحمودي
209
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
وذكر ابن مسكويه رحمه اللّه ، في حكم الإسلاميين ، من الحكمة الخالدة ، ص 285 ، وصيّة وفيها : « يا طالب الحكمة طهّر لها قلبك ، وفرّغ لها لبك ، واجمع إلى النظر فيها همّتك ، فإنّ الحكمة أعظم المواهب الّتي وهبها اللّه لعباده ، وأفضل الكرامة الّتي أكرم اللّه بها أولياءه ، وهي المال الّذي من أحرزه استغنى به ، ومن عدمه لم يغنه شيء سواه ، والصاحب الّذي من صحبه في عمره لم يستوحش معه ، ومن فارقه لم يسكن إلى أحد بعده ، هي للقلوب كالقطر للنبات ، ومن العقول بمنزلة الضياء من الأبصار ، بطنت الحكمة لكلّ شيء ، وظهرت عليه ، وعلت فوقه ، وأحاطت به ، فلها بكلّ شيء خبر ، وعندها على كلّ خبر شهادة ، ومن أعظم شأنها أنها ليس أحد إلّا وهو منتحل اسمها ، ومتزين بها ، ولا حاجة بها إلى انتحال شيء غيرها ، ولا التزين بغير زينتها ، فإن كنت من حملتها ففرّغ لها قلبك ، وارفع إلى النظر فيها همتك ، فإنها أطهر من أن تجامع دنسا ، وأنزه من أن تخالط قذرا ، فقد رأينا من أراد الغرس في أرضه يبدأ فيقلع ما فيها من غرائب النبت ، ثم يأتي بكرائم الغرس فينصبه فيها ، وكذلك من طلب الحكمة ، ورغب في اقتنائها ، فهو حقيق بأن يبدأ بما في قلبه من أضوائها فيمحقها ويطهره منها ، مثل الهوى والشهوات المردية ، ومثل الحقد والحسد ، ومحبة الكرامة والتسرع إلى الغضب ، وأشباه هذه الأشياء ، فإذا تطهّر منها استقبل الحكمة فأخذ منها ما استطاع ، فإذا أظفرك اللّه بالحكمة ، وزرع فيك بذرها ، فلا يكونن زارع أولى بالقيام على زرعه منك ، ولا يمنعك بعد غورها ، وكثرة أشباهها منها ، فإنها من المعونة على نفسها مثل الّذي بالشمس للإبصار ، على استثباتها والاستبانة لها ، فمن صحّ بصر نفسه ، ثم وصل بما صحّ منه إلى ما يرد عليه من الحكمة ، أو رابه شيء من الأمور لم يمنعه ما فاته منها أن يسمى حكيما ، ويلحقه ما ظفر به بالحكماء ، كما لا يمنع البصر ما فاته من المبصرات من أن يدعى بصيرا ويلحقه بالبصراء ، فإذا صح لك من عقلك ما تعرف به وجوه الحكمة ، وترغب به في الخير ، وتميز بينه وبين الشر ، فليس بشهادة النّاس ولا بما يسمونه حكمة تكون حكيما ، ولا بعقولهم تعدّ من العقلاء ، ولا بسائر ما يثنون عليهم من ودّهم